

رغم تنوُّع مصادر ثرواتهم بين الصناعة والاتصالات والاستثمارات العالمية، إلا أن قراءة معمَّقة لملفات أغنى العائلات العربية المصنَّفة ضمن قائمة فوربس 2026 تكشف عن حقيقةٍ واضحة، وهي أن العقار يشكّل محورًا أساسيًّا في إستراتيجياتهم لتعظيم الثروة وحمايتها.
وتبلغ الثروة المجمَّعة لأغنى خمس عائلاتٍ عربيةٍ نحو 58 مليار دولار، تتوزع بين الإمارات ومصر والسعودية ولبنان، لكن القاسم المشترك بينها يتمثل في حضورٍ قويٍّ للأصول العقارية، سواء عبر التطوير المباشر، أو المدن المتكاملة، أو المحافظ الاستثمارية المدرَّة للدخل.
عائلة سجواني – الإمارات
صافي الثروة: 17.2 مليار دولار
إذا كانت ثروة عائلة سجواني تبلغ 17.2 مليار دولار، وفق تصنيف فوربس 2026، فإن الأرقام التشغيلية لشركة "داماك العقارية" تعكس بوضوح كيف يتحوَّل التطوير العقاري إلى ماكينة توليد قيمة مستدامة.
وأعلنت أميرة سجواني، العضو المنتدب لشركة "داماك"، أن الشركة حققت مبيعاتٍ قياسيةً بلغت 36 مليار درهم في 2025؛ لتحتل المرتبة الأولى بين المطوّرين العقاريين من القطاع الخاص في دولة الإمارات. ووصفَت عام 2026 بأنه "بداية حقبةٍ جديدة" للشركة، مع تركيزٍ واضحٍ على تسليم منازل عالية الجودة، وإطلاق مشاريع عالمية بشراكاتٍ إستراتيجية.
أحد أبرز المؤشرات على قوة الطلب كان تحقيق 11 مليار درهم مبيعات خلال خمس ساعات فقط، عند إطلاق مشروع "داماك آيلاندز 2" في نوفمبر 2025، متجاوزًا إطلاق "داماك آيلاندز" في 2024 الذي سجَّل أكثر من 10.2 مليار درهم خلال أقل من 24 ساعة.
ومنذ تأسيسها عام 2002 على يد حسين سجواني، سلَّمت داماك نحو 50 ألف وحدةٍ سكنية، مع أكثر من 54 ألف وحدة قيد الإنشاء حاليًّا؛ ما يعكس حجم محفظةٍ تطويريةٍ ضخمةٍ قادرةٍ على دعم النمو طويل الأمد.
وفي 2025، وسَّعت الشركة حضورها محليًّا ودوليًّا عبر إطلاق مشاريع نوعيةٍ وشراكاتٍ عالمية، من بينها:
إطلاق مشروع "ريفرايس فيوز" في دبي مطلع العام، بمفهومٍ سكنيٍّ يركز على الواجهة المائية ونمط الحياة الصحي.
شراكة عالمية مع نادي تشيلسي لكرة القدم لإطلاق مشروع تشيلسي ريزيدنسز باي داماك، الذي يجمع بين العلامة الرياضية العالمية وموقع استثنائي على آخر الأراضي المائية المميّزة في دبي بإطلالاتٍ بانورامية 270 درجة على الخليج العربي وأفق المدينة.
إطلاق مشروع كابري ون في أغسطس 2025، ثم مشروع داماك ديستريكت ضمن مجتمع داماك هيلز.
التوسُّع إقليميًّا عبر دخول السوق العراقية بإطلاق المرحلة الأولى من "داماك هيلز" بغداد.
كما عززت الشركة جاذبية الاستثمار عبر خُطط سدادٍ مرنة، وشراكاتٍ مصرفيةٍ مبتكرة، رفعت مستويات السيولة في السوق، ووسَّعت قاعدة المستثمرين.
عائلة ساويرس – مصر
صافي الثروة: 16.6 مليار دولار
رغم تنوُّع مصادر ثروة عائلة ساويرس، التي تبلغ 16.6 مليار دولار، وفق تصنيف فوربس 2026، يبقى القطاع العقاري والسياحي أحد الأعمدة الرئيسية في إستراتيجيتهم الاستثمارية؛ لا سيما عبر شركة "أوراسكوم للتنمية القابضة"، الذراع العقارية المدرجة في البورصة المصرية والسويسرية.
وتمتلك عائلة ساويرس حصةً مسيطرةً في الشركة تتجاوز 75% من إجمالي الأسهم (نحو 77.5% حتى نهاية 2024)؛ ما يمنحها سيطرةً تشغيليةً كاملةً على توجّهات التطوير والاستثمار، فيما تبقى النسبة المتداولة حرة في السوق بحدود 22–25%.
وتعني هذه السيطرة أن إستراتيجية المدن المتكاملة والمنتجعات ليست مجرد نشاطٍ استثماري، بل هو توجّه مؤسسي طويل الأجل تقوده العائلة مباشرة.
وفي عام 2025، سجَّلت أوراسكوم للتنمية القابضة نموًّا ملحوظًا في أدائها المالي؛ حيث:
ارتفعت الإيرادات إلى نحو 24.94 مليار جنيه مصري.
قفز صافي الأرباح إلى حوالي 5.3 مليار جنيه مصري.
ويعكس هذا النمو ارتفاع مبيعات الوحدات العقارية، إلى جانب تحسُّن أداء الفنادق والأصول التشغيلية المدرَّة للدخل؛ ما يُعزز نموذج الإيرادات المزدوج الذي يجمع بين التطوير والأنشطة التشغيلية.
وتعتمد الشركة على تطوير وجهاتٍ سياحيةٍ وسكنيةٍ متكاملة، من أبرزها:
الجونة على ساحل البحر الأحمر.
طابا هايتس.
أندرمات في سويسرا.
ويتميَّز هذا النموذج بتطوير أراضٍ واسعة وتحويلها إلى مجتمعاتٍ تضم وحداتٍ سكنية، فنادق، مراسي، ومرافق تجارية؛ ما يخلق قيمةً رأسماليةً طويلة الأجل، إلى جانب تدفقاتٍ نقديةٍ مستدامةٍ من التشغيل.
وتكشف أرقام 2025 أن القطاع العقاري بالنسبة لعائلة ساويرس لا يمثل مجرد تنويع للمحفظة، بل منصة إستراتيجية لتوليد الأرباح، وتعظيم قيمة الأصول. فمع ملكية تتجاوز ثلاثة أرباع الشركة المدرجة، وأرباح سنوية بالمليارات، تترجم المدن المتكاملة والمنتجعات إلى رافعةٍ ماليةٍ مباشرةٍ تدعم ثروة العائلة وتمنحها مرونة في مواجهة تقلبات الأسواق.
وبهذا، تقدِّم تجربة ساويرس نموذجًا مختلفًا عن التطوير السريع قصير الأجل؛ إذ تقوم على بناء وجهاتٍ كاملةٍ قادرةٍ على خلق اقتصادٍ مستدامٍ داخل المشروع نفسه، وهو ما يُعزز القيمة عبر الزمن، لا عند البيع فقط.
عائلة المهيدب – السعودية
صافي الثروة: 9.2 مليار دولار
على الرغم من أن ثروة عائلة المهيدب تُقدَّر بنحو 9.2 مليار دولار، وفق تصنيف فوربس 2026، إلا أن القطاع العقاري يُعدُّ من الركائز الأساسية في إستراتيجية الاستثمار الخاصة بالعائلة داخل السعودية وخارجها، حيث تقوم محفظتهم العقارية على تطوير مشاريع سكنية وتجارية متعددة الاستخدامات، تواكب التحوُّلات العمرانية ضمن رؤية 2030 وتدعم الطلب على الأصول الحضرية الحديثة.
وتمتلك مجموعة المهيدب ـ الكيان الرئيسي للعائلة ـ قطاعًا عقاريًّا متكاملًا يختص بالتطوير، المقاولات، والتنفيذ الإنشائي، ويعمل على تطوير مشروعاتٍ سكنيةٍ وتجاريةٍ وصناعيةٍ تُسهم في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل المملكة وعلى نطاق إقليمي.
ومن بين أبرز الشركات العقارية المرتبطة بمجموعة المهيدب:
الأولى للعقارات: وهي شركة تمَّ تأسيسها عام 2002، وهي مشروع مشترك بين المهيدب ومجموعة الفوزان، وتُعدُّ من أبرز مطوّري المشاريع في السعودية والإمارات ومصر. وتتضمن محفظتها:
أكثر من 30 مليون متر مربع مطورة.
14مشروعًا متنوعًا سكنيًّا وتجاريًّا.
6 مشاريع مكاتب تشغيل في عدة دول.
وتغطي أعمال الشركة كامل دورة التطوير العقاري من دراسة السوق، الجدوى، التخطيط، إدارة المشاريع والبناء، إلى التسويق والمبيعات؛ ما يمنحها قدرةً تنافسيةً قويةً في السوق المحلية والإقليمية.
ولا يقتصر دور المهيدب على السوق السعودية وحدها؛ إذ دخلت المجموعة شراكاتٍ ضخمةً في مشاريع عقارية خارج المملكة، من بينها شراكة مع مجموعة طلعت مصطفى لإطلاق مشاريع متعددة الاستخدامات في سلطنة عمان باستثماراتٍ تتجاوز 5 مليارات دولار، تشمل آلاف الوحدات السكنية، ومنتجعات ساحلية، ومرافق ترفيهية متكاملة.
هذه المشاريع الكبيرة تؤكد توجّه العائلة نحو الاستثمار في وجهاتٍ سكنيةٍ وسياحيةٍ متكاملةٍ تمتد على ملايين الأمتار، وتعكس حاجة السوق الإقليمية إلى نماذج تطوير حضريّ جديدة.
وتكشف القراءة التحليلية أن عائلة المهيدب تتبنّى نهجًا عقاريًّا متكاملًا يعتمد على بناء أصولٍ مستدامة، وتطوير مجتمعاتٍ سكنيةٍ وتجاريةٍ تخدم القطاعات متعددة الاستخدامات.
فمن خلال شركاتٍ تركز على التطوير من المرحلة الأولية وحتى البيع والتشغيل، إلى شراكاتٍ إستراتيجية كبيرة في أسواق الخليج، يُشكّل العقار أداة أساسية في تعزيز الثروة وتوليد التدفقات النقدية على المدى الطويل، ولا يزال يمثل أحد المحركات الرئيسية لاستثمارات العائلة داخل وخارج المملكة.
عائلة ميقاتي – لبنان
صافي الثروة: 7.6 مليار دولار
تبلغ صافي ثروة عائلة ميقاتي اللبنانية، المكوّنة من الشقيقَين طه ونجيب ميقاتي، نحو 7.6 مليار دولار، وفق تصنيف فوربس لأثرياء العرب 2026؛ ما يجعلها من أكبر العائلات ثراءً في لبنان والمنطقة.
وعلى الرغم من أن غالبية ثروتهم ارتبطت تاريخيًّا بقطاع الاتصالات، إلا أن الاستثمار العقاري أصبح جزءًا مهمًّا من محفظتهم الاستثمارية العالمية، وذلك من خلال الذراع العقارية ضمن M1 Group، الكيان الاستثماري القابض الذي أسّسه الأخوان في بيروت عام 2007.
وتضم محفظة M1 Group قسمًا خاصًّا بالعقار تحت اسم M1 Real Estate، الذي يمتلك ويُدير أصولًا عقاريةً في أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأوسط؛ ما يعكس إستراتيجية العائلة في الاستثمار عبر أسواقٍ عالية النمو والطلب.
ويركّز هذا النشاط على: العقارات السكنية الفاخرة في مدن مثل نيويورك ولندن وموناكو إلى جانب أصولٍ تجاريةٍ واستثماريةٍ في أسواق متقدمة تتميَّز بسيولةٍ واستقرارٍ في القيمة.
وتكشف هذه البيانات أن العقار ليس مجرد أصلٍ ثابتٍ داخل الأسرة، بل هو جزءٌ من إستراتيجيةٍ أوسع للتنويع بعيدًا عن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الذي بدأ فيه الأخوان "ميقاتي" مشوارهما التجاري.
وتعمل M1 Group كمنظومةٍ استثماريةٍ متعددة القطاعات، تشمل الاتصالات والطيران والطاقة حتى الموضة، لكن M1 Real Estate يبقى واجهتهم العقارية التي تُدير الأصول في مواقع إستراتيجية عالمية، وتستهدف تحقيق عوائد رأسمالية طويلة الأجل إلى جانب الدخل من الإيجارات وإدارة الأصول العقارية.
ورغم أن هذه الذراع لا تُعدُّ شركة مدرجة مستقلة في البورصات العالمية، فإن تواجدها في أسواق العقار العالمية ذات الطلب المرتفع يعزز قدرة العائلة على الاستفادة من ارتفاع الأسعار طويلة الأمد، وتدفقات الإيجار المنتظمة.
وتكشف تجربة عائلة ميقاتي أن الاستثمار في العقار لا يقتصر على السوق المحلية فقط، بل يمتد إلى المدن العالمية الكبرى؛ ما يعكس إستراتيجية التنويع والتحوُّط ضد تقلبات الأسواق الناشئة.
ففي الوقت الذي يرتبط فيه اسمهم تاريخيًّا بالاتصالات، فإن محافظهم العقارية تُظهر تحوّلًا نحو الأصول التي تجمع بين الاستقرار والعائد على المدى الطويل، وهو نهج يُشبه ما يتبناه كبار المستثمرين العالميين الذين يسعون لتوزيع المخاطر عبر فئات متعددة من الأصول.
عائلة منصور – مصر
صافي الثروة: 7.2 مليار دولار
يبلغ صافي ثروة عائلة منصور المصرية، التي يقود ثروتها محمد منصور وشقيقاه يوسف وياسين منصور، نحو 7.2 مليار دولار، حسب أحدث تصنيف فوربس لأثرياء العرب لعام 2026؛ ما يجعلها من أبرز العائلات الاستثمارية في المنطقة، مع حضورٍ قويٍّ ضمن القطاع العقاري المصري.
ويُشكِّل الاستثمار العقاري جزءًا مهمًّا من إستراتيجية العائلة، أبرزها من خلال بالم هيلز للتطوير العقاري، شركة تطوير عقاري مصرية مدرجة في البورصة المصرية (EGX) ومملوكة جزئيًّا من مجموعة منصور وشريكها مجموعة المغربي للاستثمار والتطوير.
وتُعد شركة "بالم هيلز" واحدةً من أكبر مطوِّري المشاريع السكنية والتجارية والسياحية في مصر، مع محفظةٍ واسعةٍ تضم مشاريع في القاهرة، الإسكندرية، الساحل الشمالي، والعاصمة الإدارية الجديدة، بما في ذلك وحدات سكنية متكاملة ومجمّعات ترفيهية.
وأظهرت البيانات المالية لشركة بالم هيلز نموًّا كبيرًا في عام 2025؛ مما يعكس قوة الطلب على العقار في السوق المصرية:
الإيرادات السنوية بلغت نحو 36.16 مليار جنيه مصري في 2025، بارتفاع أكثر من 30% مقارنة بالعام السابق.
صافي الربح بعد الضريبة وحقوق الأقلية ارتفع إلى حوالي 4.22 مليار جنيه في 2025، مقابل نحو 3.25 مليار جنيه في 2024.
إجمالي المبيعات المتراكمة (Backlog) تجاوز 240 مليار جنيه بنهاية 2025، ارتفاعًا عن 147 مليار جنيه في 2024.
ـسجلت الشركة مبيعات إجمالية ضخمة بلغت نحو 215 مليار جنيه خلال العام مدفوعًا بقوة المشاريع الحالية.
وتعكس هذه النتائج المالية أن "بالم هيلز" لا تعتمد فقط على تطوير الأصول العقارية، بل تعمل على تحقيق عوائد تشغيلية قوية، ونمو مستدام في القيمة السوقية والإيرادات.
وتتوزع مشاريع بالم هيلز عبر قطاعاتٍ متعددة، من بينها:
مشاريع سكنية متكاملة في 6 أكتوبر وشرق وغرب القاهرة.
منتجعات وساحات ترفيهية في الساحل الشمالي.
تطوير في العاصمة الإدارية الجديدة مع قطع أراضٍ إستراتيجية.
اتفاقيات توسّع خارج مصر، منها مشروع ضخم في أبوظبي على مساحة 1.87 مليون متر مربع، يُتوقّع أن يُحقق أكثر من 7 مليارات درهم مبيعات؛ ما يدل على طموحات الشركة في التوسّع الإقليمي.
ورغم أن بالم هيلز ليست مملوكةً بالكامل لعائلة منصور، فإن ياسين منصور يشغل منصب رئيس مجلس الإدارة، وتحتفظ المجموعة بحصةٍ كبيرةٍ ضمن الهيكل الحاكم للشركة؛ ما يمنح العائلة تأثيرًا مباشرًا على إستراتيجية التطوير العقاري وتحقيق النمو.
قراءة في الاتجاه العام
تؤكد أرقام فوربس لعام 2026 أن الثروة العربية الكبرى، حتى وإن نشأت في الصناعة أو الاتصالات أو التجارة، تجد في العقار ركيزةً أساسيةً لإعادة استثمار الأرباح، وتعزيز الاستقرار المالي.
فمن التطوير الفاخر في دبي، إلى المدن المتكاملة في مصر، مرورًا بالأصول المتنوعة في السعودية، يتضح أن العقار ليس مجرد قطاعٍ مكمّل، بل هو عنصرٌ إستراتيجيٌّ في إدارة الثروات الكبرى بالمنطقة.