تشهد المملكة العربية السعودية طفرةً عمرانيةً غير مسبوقة، تقودها مشاريع كبرى ومدن جديدة وتوسع مستمر في التطوير العقاري. وبالنظر إلى هذا الزخم، قد يبدو من المنطقي أن تكون أسهم شركات التطوير العقاري الوجهة الأولى للمستثمرين في سوق المال، إلا أن بيانات التداول ترسم صورة مختلفة.
ففي عام 2025، بلغت قيمة التداولات على أسهم البنوك نحو 241 مليار ريال، مقابل 85 مليار ريال فقط لأسهم شركات التطوير العقاري، ما يعني أن السيولة اتجهت إلى القطاع المصرفي بمعدل يقارب ثلاثة أضعاف مقارنة بالشركات العقارية المدرجة.
قراءة في مسار التدفقات النقدية
قد يبدو المطور العقاري المستفيد الأول من ازدهار السوق، باعتباره الجهة التي تستحوذ على الأراضي، وتطور البنية التحتية، وتنفذ المشاريع، ثم تطرح الوحدات للبيع. إلا أن تتبع مسار التدفقات النقدية يكشف أن القطاع المصرفي يمثل أحد أبرز المستفيدين من الدورة العقارية.
وتبلغ محفظة القروض العقارية لدى البنوك السعودية اليوم نحو 978 مليار ريال، ما يعكس الدور المحوري الذي تؤديه في تمويل مختلف مراحل النشاط العقاري. فالبنوك لا تقتصر على تمويل المشترين الأفراد، بل تمتد خدماتها التمويلية إلى المطورين والمقاولين وشركات البناء، لتكون شريكًا ماليًا في معظم مراحل تنفيذ المشاريع.
ما تكشفه القوائم المالية
توضح القوائم المالية لشركات التطوير العقاري المدرجة تفاوتًا واضحًا بين ما يعود إلى المساهمين وما يذهب إلى جهات التمويل.
فخلال عام 2025، وزعت شركات التطوير العقاري المدرجة أرباحًا نقدية بقيمة 1.43 مليار ريال على مساهميها، في حين بلغت الفوائد والأعباء المالية التي سددتها للبنوك والممولين نحو 4.25 مليار ريال، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف قيمة التوزيعات النقدية للمساهمين.
الصورة تتجاوز الشركات المُدرجة
وتقتصر هذه الأرقام على 17 شركة تطوير عقاري مدرجة في السوق المالية، بينما يضم القطاع آلاف شركات التطوير والمقاولات غير المدرجة، التي تعتمد هي الأخرى بدرجات متفاوتة على التمويل والتسهيلات المصرفية لتنفيذ مشاريعها.
ولا يقتصر هذا النموذج على السوق السعودية، بل يتكرر في عدد من أسواق الخليج، مثل الإمارات وقطر والكويت، حيث يؤدي اتساع النشاط العقاري إلى زيادة الطلب على التمويل، بما يعزز حضور القطاع المصرفي وعوائده.
اختلاف نموذج الأعمال والمخاطر
يعكس هذا الواقع اختلافًا جوهريًا في طبيعة نموذج الأعمال بين شركات التطوير والبنوك.
فالمطور العقاري يرتبط أداء أعماله بنجاح مشروع أو مجموعة مشاريع محددة، ويتحمل مخاطر شراء الأراضي، وارتفاع تكاليف البناء، وتقلب أسعار المواد، إضافة إلى تحديات التسويق والبيع.
في المقابل، يستفيد البنك من الدورة العقارية بأكملها، إذ يموّل المطور، والمقاول، والمشتري النهائي، ما يمنحه مصادر دخل متنوعة لا ترتبط بنجاح مشروع واحد، وإنما باستمرار النشاط الاقتصادي والتمويلي بصورة عامة.
من المستفيد الأكبر؟
يبني المطور المشروع ويتولى تنفيذه، بينما يشارك القطاع المصرفي في تمويل الأرض، وتمويل أعمال التطوير، وتمويل المشتري النهائي، ليكون حاضرًا في مختلف مراحل الدورة العقارية.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الطفرة العقارية لا تنعكس على شركات التطوير وحدها، بل تمتد آثارها إلى القطاع المصرفي الذي يؤدي دورًا رئيسيًا في تمويل نمو السوق. ويبقى السؤال المطروح أمام المستثمرين: هل تمثل شركات التطوير العقاري المستفيد الأكبر من الطفرة العمرانية، أم أن البنوك، بحكم حضورها في جميع مراحل التمويل، هي المستفيد الأكثر استدامة؟