شهدت العاصمة الرياض جلسة حوارية موسَّعة ضمن فعاليات منتدى "PropNext" الرياض 2026، تحت عنوان "رقمنة العقار السعودي.. من التسجيل والترميز إلى الابتكار التقني"، أدارتها الإعلامية الاقتصادية إيفلين مصطفى، بمشاركة نخبة من رواد التقنية العقارية والمطورين.
وأجمع المشاركون على أن تحويل العقارات إلى "رموز رقمية" (Tokens) يُمثل المرحلة الثالثة والأهم في رحلة التحوُّل الرقمي التي تشهدها المملكة، بما يتماشى مع رؤية 2030 لتنشيط القطاع العقاري وزيادة سيولته.
تحويل الأصول الثابتة إلى "سيولة" متداولة
استهل الرئيس التنفيذي لأصول جاما كاميران خليل، الجلسة بتعريف الترميز العقاري بأنه عملية تحويل صكوك الملكية التقليدية إلى منتجات رقمية قابلة للتجزئة، موضحًا أن الهدف الأسمى هو معالجة "جمود" الأصول العقارية وتحويلها إلى أصول سائلة سهلة التداول.
وأضاف: "الترميز يسمح بتجزئة العقار إلى حصص صغيرة جدًّا، وهو أمر كان مستحيلًا في الواقع التقليدي؛ مما يفتح الباب أمام صغار المستثمرين لامتلاك حصص في أصول كبرى بمبالغ زهيدة".
المملكة انتقلت من رقمنة الوثائق إلى رقمنة العمليات، وصولًا إلى "ترميز الأصول"
التقنية كمرآة للتشريعات
من جانبه، أكد المدير التنفيذي للتقنية والابتكار في "بروبتيك" محمد الحمدان، أن التقنية العقارية هي "وصف وعكس" للتشريعات التنظيمية. وأشار إلى أن المملكة انتقلت من رقمنة الوثائق إلى رقمنة العمليات، وصولًا إلى "ترميز الأصول" الذي يعزز الموثوقية والحوكمة.
وكشف الحمدان عن دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي العام (AGI) في تقييم الفرص العقارية خلال 60 ثانية فقط؛ مما يسرع وتيرة اتخاذ القرار الاستثماري ويدعم دقة تسعير "التوكنز".
تخفيف العبء عن المطورين العقاريين
وفي سياق متصل، شدد الرئيس التنفيذي للعمليات في "تلال العقارية" محمد الشويعر، على أن الترميز يخدم المطور العقاري عبر تخفيف الأعباء التشغيلية؛ إذ تتيح هذه التقنية التعامل مع منصة واحدة محوكمة بدلًا من التعامل المباشر مع آلاف الملاك. وأكد الشويعر على أهمية "توعية السوق"، معتبرًا أن نجاح التجربة يعتمد بشكل أساسي على فهم المستثمر البسيط لكيفية عمل الترميز وحماية حقوقه.
وأشار الشويعر إلى أن جذب المستثمر، سواء كان سعوديًّا أو أجنبيًّا، يتطلب توفير آلية للاطلاع السريع والموثوق على تفاصيل العقار عبر جهة معتمدة تمر على كافة جوانبه الفنية. وشدد على أن الأصول القائمة والأصول المدرّة للدخل (Income generating assets) هي الخيار الأفضل والأسهل لعملية الترميز وبيع "التوكنز" في الوقت الحالي، مقارنة بمشاريع البيع على الخارطة.
كما لفت إلى أن المستثمر بحاجة لرؤية معلومات موثقة وشاملة قبل الشراء؛ تشمل التصاميم، وأعمال الترميم، وحتى احتساب العقار كأصول متناقصة القيمة (Depreciating assets)، مؤكدًا أن توافر هذه البيانات الموثقة من جهات معتمدة هو ما سيساعد بشكل كبير في إنجاح تجربة الترميز العقاري.
القيمة المضافة للترميز تكمن في "تنويع المخاطر"
إدارة المخاطر وتنويع المحافظ
بدوره، أوضح رئيس الشراكات في شركة "ستيك" للاستثمار العقاري نايف السعدون، أن القيمة المضافة للترميز تكمن في "تنويع المخاطر". فبدلًا من استثمار كامل رأس المال في عقار واحد، يمكن للمستثمر توزيع محفظته على عدة عقارات مرمزة. وأكد السعدون على ضرورة وجود "سوق ثانوية" محوكمة تسمح للمستثمرين بالدخول والخروج من الاستثمار وتسييل حصصهم بسرعة وشفافية.
وفيما يخص الجانب التنظيمي، شدد السعدون على ضرورة خلق قوانين محوكمة وواضحة تضمن للمستثمر معرفة آليات الخروج من الاستثمار بسهولة. وأكد أن وجود "سوق ثانوية محوكمة" للتداول هو التحدي الأهم والخدمة الأكبر لقطاع "التوكنز"؛ لضمان سرعة الدخول والخروج ومنع التضارب في الأسعار.
كما أعرب عن تفاؤله الكبير بمستقبل هذه التجربة في المملكة، قائلًا: "نحن أمام تجربة فريدة في السوق السعودية؛ فقد لمسنا ثقة وإقبالًا عاليًا من المستثمرين على المنصات القائمة حاليًّا". وأضاف إن إطلاق "البيئة التجريبية التشريعية" (Sandbox) يفتح آفاقًا كبيرة لزيادة الفرص وضخ رؤوس الأموال وتحريك الدورة الاقتصادية في عالم العقار.
تجربة سعودية فريدة عالميًّا
واختتم المشاركون الجلسة بالتأكيد على أن التجربة السعودية في الترميز العقاري تُعد "فريدة وغير مسبوقة"؛ نظرًا للتطور التشريعي الذي تقوده الهيئة العامة للعقار والسجل العيني. ومع وجود 9 شركات تعمل حاليًّا ضمن "البيئة التجريبية" (Sandbox)، يتوقع الخبراء أن يتحول لسان حال المستثمر قريبًا من السؤال عن "سعر المتر" إلى السؤال عن "سعر التوكن"، في إشارة إلى نضج الاستثمار العقاري الرقمي في المملكة.