شهد مؤتمر PropNext الرياض 2026 جلسة حوارية بعنوان "التسويق العقاري الذكي.. من الإعلان التقليدي إلى بناء القيمة والطلب"، أدارها الرئيس التنفيذي لشركة بيرنيز ورلد وايد الأستاذ محمد الحمود، بمشاركة نخبة من المسؤولين والخبراء في القطاع العقاري والتسويق.
وأجمع المتحدثون على أن التسويق العقاري السعودي في طريقه ليصبح عابرًا للقارات بفضل رؤية 2030، حيث انتقلت بوصلة القطاع من الإعلانات التقليدية إلى إستراتيجيات التنبؤ بسلوك المستفيد عبر الخوارزميات، وصناعة مجتمعات سكنية متكاملة تستهدف المستثمر المحلي والأجنبي على حد سواء، مع التأكيد على أن "أنسنة" التقنية هي مفتاح بناء الثقة المستدامة في المستقبل.
أكد الأستاذ تيسير المفرج، مدير عام الاتصال الإستراتيجي في الهيئة العامة للعقار، أن مفهوم التسويق العقاري في المملكة انتقل من مرحلة "الإعلان التقليدي" الذي يكتفي بالإجابة عن سؤال (ماذا أبيع؟)، إلى مرحلة "التسويق الذكي" القائم على تحليل البيانات وصناعة الطلب الحقيقي.
وكشف المفرج عن توجه الهيئة لاستخدام البيانات الضخمة (Big Data) من منصات مثل "سكني" و"إيجار" للتخطيط المستقبلي وتحليل الفجوة بين العرض والطلب. وأوضح أن الهيئة طورت خلال العام الأخير خوارزميات متقدمة تعمل على تقسيم المستفيدين إلى شرائح دقيقة (Personas)، مما يتيح التنبؤ باحتمالية إتمام الصفقات وتتبع سلوك العميل داخل المنصات العقارية.
وقال المفرج: "التسويق اليوم لم يعد مجرد لوحة إعلانية، بل هو فهم دقيق للطلب؛ متى نخاطب العميل؟ وبأي رسالة؟ وكيف نتفاوض لنصل إلى مرحلة الإغلاق؟".
تسويق "عابر للقارات": السعودية وجهة عالمية
وفيما يخص فتح التملك للأجانب، أكد المفرج أن التسويق العقاري السعودي في طريقه ليصبح "عابرًا للقارات"، حيث لن يقتصر الأمر على بيع الوحدات السكنية، بل سيشمل تسويق "القيم السعودية" والمزايا التنافسية للمملكة، بما في ذلك: الأمان والبيئة التقنية المتقدمة، والثقافة السعودية والعمق الديني، وجودة الحياة والميز النسبية للمناطق.
وأشار إلى أن الهيئة تعمل على إصدار لوائح منظمة لممارسة غير السعوديين للنشاط العقاري، لمواكبة انفتاح السوق على الاستثمار الأجنبي.
وشدد المفرج على الدور المحوري لإدارات التسويق في صياغة المنتج العقاري، معتبرًا إياها حلقة الوصل بين "تجربة العميل" والقسم الهندسي. وأوضح أن التغذية الراجعة من المسوِّقين هي التي باتت تحدد اليوم الموقع، والتصميم، والخدمات، مؤكدًا أن "التسويق الحقيقي هو خلق الحاجة لمنتجات ابتكارية قبل عملية البيع".
الذكاء الاصطناعي يخاطب الحضور
وفي لفتة تقنية لافتة خلال الجلسة، استعان المفرج بأداة ذكاء اصطناعي لسؤالها عن مستقبل القطاع، حيث أجاب "الذكاء الاصطناعي" بأن الأدوات التقنية ستسمح بتوقع احتياجات العملاء قبل التعبير عنها، مع التأكيد على أن "اللمسة البشرية في بناء الثقة ستظل هي الأساس الذي لا غنى عنه".
أكد الأستاذ بندر المحمود، مدير إدارة شرائح المستفيدين بوزارة البلديات والإسكان، أن المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي لم يعودا مجرد أدوات تكميلية، بل هما الركيزة الأساسية لفهم وتحليل سلوك العميل العقاري وتوجيه الطلب في المملكة.
وأوضح المحمود أن الدور الجوهري للمنصات الرقمية يتمثل في كونها "حلقة وصل" حية تعكس التغيرات اللحظية في سلوك المستفيدين، مشيرًا إلى أن تحليل الضغط المتزايد على هذه المنصات يساعد الجهات المعنية على فهم توجهات السوق بدقة، ومن ثم صياغة أفكار وحلول تتماشى مع تطلعات العملاء والمستثمرين.
وقال: "المنصات اليوم تعطينا بيانات حقيقية حول كيفية تغير السلوك الشرائي والسكني، وهذا يمكننا من استهداف الشرائح المناسبة بالرسائل الصحيحة وفي الوقت المثالي".
وفي رؤيته لمستقبل القطاع، شدد المحمود على أن التكامل بين المنصات والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي هو الذي سيرسم ملامح المرحلة المقبلة، مؤكدًا أن وتيرة التطور التقني المتسارعة تجعل من الصعب التنبؤ بالمدى الذي قد يصل إليه التحوُّل في السنوات القادمة.
وأكد على أن "المستقبل هو للمنصات والذكاء الاصطناعي"، متوقعًا أن تشهد الفترة القريبة القادمة قفزات نوعية في كيفية تحليل البيانات العقارية وتطوير تجربة المستفيد بشكل غير مسبوق.
أكد رئيس مجلس إدارة MMBrand الأستاذ محمد المسقطي، أن القطاع العقاري في المملكة العربية السعودية يشهد تحولًا جذريًّا يتجاوز مفاهيم العرض والطلب التقليدية، ليصل إلى مرحلة "بناء القيمة" والتميز في تفاصيل المنتج العقاري.
وأوضح المسقطي أن انطلاقة "رؤية المملكة 2030" كانت نقطة التحول الرئيسية، حيث قدمت البرامج الحكومية مشاريع كبرى أصبحت بمثابة "المعيار" (Benchmark) ليس فقط داخل المملكة، بل وعلى المستوى الدولي.
وأضاف: "المملكة لا تعيد إنتاج تجارب الآخرين أو تنقل أفكارًا معلبة من الخارج، بل تقدم منتجات عقارية تنبع من عمق الأصالة والانتماء السعودي، لكن بروح عالمية ومعايير تفوق التوقعات، وما نعيشه اليوم هو مجرد البداية في ظل التشريعات الجديدة وفتح التملك لغير السعوديين".
وفي الإجابة عن سؤال حول تغير الرسائل الاتصالية مع دخول جمهور دولي جديد للسوق، أشار المسقطي إلى أن الخطاب التسويقي سيشهد تطورًا ليتناسب مع المستهدفين من الخارج، مؤكدًا أن المشاريع الحالية — خاصة في الرياض — مصممة بالفعل بمعايير "جودة حياة" عالمية، مما يجعلها جاهزة للمنافسة دون الحاجة لتغيير جوهري في أصل المنتج.
كما توقع المسقطي نموًّا كبيرًا في قطاع "الوحدات السكنية ذات العلامات التجارية" (Branded Residences)، مشيرًا إلى نضج تجارب محلية قادرة على خلق علامات تجارية سعودية تنافس البراندات العالمية، من خلال دمج مفهوم الضيافة السعودية الأصيلة بالمنتج العقاري الحديث.
وحول دور التقنيات الحديثة، وصف المسقطي دخول الذكاء الاصطناعي في صناعة الهوية والرسائل التسويقية بأنه "تطور إيجابي" يمنح المبدعين أبعادًا كانت مستحيلة سابقًا، لكنه طرح تساؤلًا جوهريًّا حول "القدرة على التأثير العاطفي".
وقال: "سنشهد ضخًّا كبيرًا للإعلانات المنتجة بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي، والتحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة هذه الرسائل على إقناع المتلقي عاطفيًّا".
وأشار إلى أن نضج السوق العقارية السعودية سيحول التركيز من مجرد "البيع للمستفيد الأول" إلى نماذج استثمارية أطول مدى، مثل مشاريع التأجير الكبرى (كما في نموذج "ليسن فالي")، مؤكدًا أن القوانين والتشريعات الحالية تضمن استمرار عجلة التسويق العقاري بمستويات احترافية غير مسبوقة.
أكد الأستاذ محمد علي، مدير تسويق شركة "البساتين العقارية"، أن تحديث قوانين تملك الأجانب في المملكة العربية السعودية قد فتح الباب أمام تدفق رؤوس أموال ضخمة جاهزة للاستثمار، مشيرًا إلى أن دور المسوق العقاري اليوم هو إبراز المزايا التنافسية التي تجعل السوق السعودية وجهة عالمية للاستثمار طويل الأمد.
وأوضح علي أن العميل الأجنبي أو المستثمر الدولي يبحث بالدرجة الأولى عن "الاستثمار طويل الأمد" (Long-term investment) وعن عنصر الأمان والطمأنينة في المنطقة. وأضاف: "بفضل رؤية المملكة 2030 والتشريعات المتلاحقة، أصبحت السوق العقارية السعودية تنافس المستويات العالمية، وباتت المملكة وجهة جاذبة للاستثمار الأجنبي بامتياز".
وفي إجابته عن جاهزية فرق التسويق لهذه المرحلة الجديدة، أكد أن المشاريع المليارية والعملاقة (Mega & Giga Projects) التي تشهدها المملكة لا تبيع مجرد وحدات سكنية من شقق وفلل، بل تقدم "مجتمعات متكاملة" (Communities).
وقال: "هذه المجتمعات تمثل بيئة جاذبة وخصبة للمستثمر الأجنبي، وتوفر في الوقت نفسه جودة حياة استثنائية للمالك السعودي، مما يجعلها منتجات قادرة على المنافسة في المحافل الدولية".
أنسنة التسويق: العاطفة تتفوق على الذكاء الاصطناعي
وحول تسارع التحول الرقمي ودخول أدوات الذكاء الاصطناعي، حذر محمد علي من الاعتماد الكلي على التقنية كبديل للعنصر البشري، مؤكدًا أن الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون في "تجربة العميل" وبناء الثقة.
وصرح قائلًا: "القرار العقاري، سواء كان استثماريًّا أو سكنيًّا، هو قرار عاطفي بحت. الذكاء الاصطناعي أداة مساندة، لكنه يفتقر إلى العاطفة (Emotions) اللازمة لبناء علاقة طويلة الأمد مع العميل".
وعن مستقبل أقسام التسويق، أشار علي إلى أن "التسويق الرقمي" ضروري، إلا أن "التسويق التقليدي" (Offline Marketing) يظل جزءًا لا يتجزأ من الإستراتيجية الناجحة، ليس لغرض البيع المباشر فحسب، بل لبناء قوة العلامة التجارية وترك انطباع ذهني عميق لدى المستثمرين.
وأكد على أن الوصول إلى مرحلة "النضج التام" في التسويق العقاري يتطلب رحلة متكاملة تبدأ من أول اتصال بالعميل وتستمر إلى ما بعد البيع، لضمان بناء ثقة مستدامة تتواكب مع طموحات المملكة نحو عام 2030.
من جهته، أكد المهندس مشعل القاسم، الرئيس التنفيذي لشركة "مشيد"، أن السوق العقارية في المملكة العربية السعودية تمر بمرحلة انتقالية تاريخية، محولًا البوصلة من سوق تخدم الاحتياج المحلي فقط إلى مركز جذب تجاري ودولي ينافس الأسواق العالمية.
وأوضح القاسم أن إستراتيجيات التسويق تشهد تغييرًا جذريًّا تماشيًا مع "تغير الأهداف"؛ فبينما كان التركيز سابقًا ينصب على تلبية الاحتياج السكني للمواطنين والمقيمين، بات العقار اليوم يُعامل كـ"قيمة اقتصادية" ومنتج استثماري يرتكز على العوائد.
وقال القاسم: "نحن اليوم أمام لغة مختلفة تمامًا؛ فالمستثمر الأجنبي، سواء كان يتملك بشكل كامل أو عبر (الترميز العقاري) والملكية الجزئية، يرى في العقار السعودي فرصة تضاهي الفرص في الأسواق المالية العالمية، وهذا يتطلب تكاتفًا بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص لتقديم المملكة كبيئة تكاملية للأعمال".
وكشف المهندس مشعل القاسم عن توجه شركة "مشيد" لتقديم حلول تواصلية مبتكرة تواكب رؤية 2030، مشيرًا إلى أن الحملات التسويقية للوحدات لم تعد كافية وحدها. وفي هذا الصدد، استعرض القاسم منتجات الشركة النوعية: منصة "بشت": كبوابة رقمية للمشاريع العقارية، والتي تستعد لإطلاق نسختها الإنجليزية بالكامل لتسهيل دخول الرأسمال الأجنبي وتزويده بالبيانات والأصول اللازمة.
وأشاد القاسم بالتكامل بين الهيئة العامة للعقار، وهيئة السياحة، ووزارة الاستثمار، مؤكدًا أن هذا التناغم يساهم في إلهام الشركات المحلية لتطوير أدواتها التسويقية لتخاطب الجمهور العالمي، تزامنًا مع استضافة المملكة لأحداث كبرى مثل إكسبو 2030 وكأس العالم.
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن مستقبل التسويق العقاري يكمن في "الحلول الذكية" التي تصل إلى الجمهور المستهدف بدقة متناهية، مشددًا على أن منصة "بشت" و"مجتمع مشاريع" سيمثلان البوابة الأولى والميسرة لدخول المستثمر الدولي إلى قلب السوق السعودية.